مقاتل ابن عطية

327

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

شدة تعصّبه في مقدمة شرحه لصحيح البخاري . وما رواه البخاري في باب العلم صريح في أنّ عمر نسب إلى النبيّ أنه قد غلبه الوجع ، ومعناه : لا يلزمنا إجابته في إحضار الكتاب لأنه يهذي » . وعبارة « ما له أهجر استفهموه » هي نفس عبارة « قد غلبه الوجع » فمفاد العبارتين واحد ، ومعلوم من سياق الأخبار : أن اللّغط والاختلاف لم يحصلا إلّا من قول عمر ، وإنّ ترك النبيّ الكتابة إمّا أن يكون من جهته لكون عمر آذى النبيّ وأغاظه ، وإمّا لأنهم منعوا من إحضار الدواة ، وكلاهما يشكّلان علة تامة في عدم الكتابة . ودعوى الاعتذار بأنّه صدر منه هذا الكلام من الدهشة تعتبر باطلة ، لأنه لو كان كذلك لكان يلزمه أن يتدارك ذلك بما يظهر للناس أنه لا يستخف بشأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، هذا مضافا إلى أن عمر لو كان في هذه الدرجة من المحبة له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بحيث يضطرب بسماع ما هو مظنّة وفاته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى حدّ يختل نظام كلامه ، لكان حاله أشد اضطرابا بعد تحقق الوفاة ، ولو كان كذلك لم يبادر إلى السقيفة قبل تجهيزه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وغسله ودفنه ، ولو سلم ذلك فهو لا ينفعه لأن مناط اللعن مخالفة أمر الرسول وممانعته فيما يوجب صلاح عامة المسلمين إلى يوم القيامة . الشبهة الثانية : أن عمر ونظائره فهموا أنّ أمره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بإحضار ما طلب كان راجعا إلى اختيارهم أي فهموا منه الندب أو الإباحة ولم يستظهروا منه الوجوب . يرد عليه : إنه ظاهر الفساد ، وذلك لأن الأمر ظاهر في الوجوب كما حرّر في علم الأصول ، ويشهد له أنه قد اقترن به في المقام ما يمنع من أن يراد به الندب والإباحة ، فإنّ النبيّ علّل الكتاب بأن لا يضلّوا بعده ، والظاهر أن الأمر الذي يكون في تركه ضلال الأمة لا يكون مباحا ولا مندوبا ، وليس مناط الوجوب إلّا قوة المصلحة في الفعل وشدة المفسدة في الترك ، وقد علّل من منع الإحضار بأنه يهجر